|

{{title}}

لم يتم العثور على المحتوى

فيروس الكورونا والعقود الجارية


فيروس الكورونا والعقود الجارية

{{subject.Description}}

يثير فيروس الكورونا والاجراءات الحكومية المتخذة للحد من انتشاره إشكاليات قانونية غير مسبوقة في مجالات عديدة منها تأثير الوباء على حوكمة الشركات وعلاقات العمل وحماية البيانات ذات الطابع الشخصي وإجراءات التحكيم والمهل الإجرائية.

إحدى أبرز الاشكاليات المطروحة تتعلق بتأثير انتشار هذا الوباء في لبنان على العقود الجارية.

إن انتشار فيروس الكورونا يطرح أربع مسائل على وجه الخصوص:

المسألة الأولى: هل يمكن وصف انتشار فيروس الكورونا بالقوة القاهرة؟

الجواب: هذا يعتمد على ظروف القضية.  

إن القوة القاهرة هي الحدث الطبيعي أو القانوني الذي يتسم بأربع صفات[1]:

  1. هي حدث خارج عن سيطرة المدين[2].
  2. لا يمكن توقع حصوله بشكل معقول في وقت إنشاء العقد[3].
  3. لا يمكن مقاومته بمعنى أنه لا يمكن تجنب آثاره عن طريق اتخاذ التدابير المناسبة.
  4. يجعل تنفيذ الموجبات مستحيلاً وليس فقط مرهقاً على المدين. 

إن القوة القاهرة تعفي المدين من المسؤولية الناجمة عن عدم تنفيذ الموجب (مادة 254 م.ع.) وتؤدي إلى تعليق تنفيذ الموجب إذا كانت استحالة التنفيذ مؤقتة أو إلى سقوط الموجب إذا كانت استحالة التنفيذ دائمة (مادة 341 م.ع.).

على الرغم من أن عدداً من المسؤولين في الحكومات الأجنبية قد وصف انتشار فيروس الكورونا والإجراءات الحكومية المعتمدة للحد من هذا الانتشار بالقوة القاهرة، إلا أن هذا الوصف لا يلزم المحاكم ولا يمكن الاعتماد عليه بشكل مطلق. وبالتالي، لا يكفي للمدين أن يتذرع بانتشار فيروس كورونا أو بالاجراءات الحكومية المتخذة للحد من انتشاره من أجل اجتناب تنفيذ موجباته. 

إن مسألة وصف فيروس الكورونا بالقوة القاهرة تتسوجب التفريق بين الحالات الآتية:

الحالة الأولى: هي الحالة التي اتفق فيها الفرقاء على تحديد القوة القاهرة في العقد وادراج الوباءات في نطاق هذا التحديد[4]. في هذه الحالة، يجب تفعيل البنود المدرجة في العقد واعتماد وصف فيروس الكورونا بالقوة القاهرة.

الحالة الثانية: هي الحالة التي اتفق فيها الفرقاء على تحديد القوة القاهرة في العقد واستبعاد الوباءات من نطاق هذا التحديد[5]. في هذه الحالة، يجب تفعيل البنود المدرجة في العقد واستبعاد وصف فيروس الكورونا بالقوة القاهرة.

الحالة الثالثة: هي الحالة التي لم يتفق فيها الفرقاء على تحديد القوة القاهرة في العقد أو التي اتفق فيها الفرقاء على تحديد القوة القاهرة في العقد دون ادراج الوباءات في نطاق هذا التحديد ودون استبعادها من هذا النطاق. في هذه الحالة، يعود لمحكمة الموضوع تقدير ما إذا كان وصف القوة القاهرة ينطبق على هذه الأحداث وذلك في كل حالة على حدة وبناءً لظروف كل قضية[6]

يمكن اعتماد وصف القوة القاهرة إذا أثبت المدين:

  1. أن هذه الأحداث لم تكن متوقعة بشكل معقول في وقت إنشاء العقد (وهذا هو الحال في ما يتعلق بالغالبية الساحقة من العقود المبرمة قبل انتشار فيروس كورونا).
  2. وأنه لم يتمكن من اتخاذ أية إجراءات من شأنها تجنب آثارهذه الأحداث على تنفيذ الموجب.
  3. وأنه يوجد علاقة سببية بين هذه الأحداث وعدم تنفيذ الموجب.

هذا هو الحال مثلاً، إذا أثبت المدين أنه لم يتمكن من تنفيذ العقد الذي تم إنشاؤه قبل إنتشار فيروس كورونا لإصابته بالفيروس ودخوله إلى المستشفى أو إذا أثبت أن قرارات الحجر الحكومية حالت دون وصوله أو وصول موظفيه إلى مكان تنفيذ الموجب وأن الحضور إلى هذا المكان ضروري للتنفيذ (مثلاً: عقد المقاولة).

بينما يقتضي، مثلاً، استبعاد وصف القوة القاهرة إذا تعهد المدين بإنجاز مهمة بموجب إتفاقية أبرمت بتاريخ لاحق لانتشار الفيروس لأن هذه الأحداث كانت متوقعة في وقت انشاء العقد أو إذا كان المدين كناية عن شركة تقوم بانجاز خدمات عن بعد لم تتعطل أنشطتها لأن موظفيها اعتادوا العمل من المنزل.

المسألة الثانية: هل يحق للمدين أن يطلب تعديل مضمون العقد بحجة فقدان التعادل بين الموجبات الواردة فيه؟

الجواب: لا.

ما لم يتفق الفرقاء على خلاف ذلك ، إن المحاكم اللبنانية لا تجيز تعديل العقد إذا طرأت حوادث استثنائية لم يكن في الوسع توقعها بتاريخ انشاء العقد من شأنها أن تجعل تنفيذ الموجب مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة.[7]

مبدئياً، على المدين أن يتحمل تكاليف التنفيذ الإضافية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا دون أن يحق له أن يطلب من القضاء رد الموجب المرهق إلى الحد المعقول وذلك لعلة عدم وجود نص صريح في القانون اللبناني يسمح بذلك.

تجدر الإشارة إلى إن موقف القانون اللبناني يختلف عن موقف سائر القوانين العربية التي تعطي للمحاكم سلطة تعديل العقد في هذه الحالة (مثلاً: المادة 147 من القانون المدني المصري، والمادة 148 من القانون المدني السوري، والمادة 146 من القانون المدني العراقي، والمادة 249 من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة 171 من القانون المدني القطري).

المسألة الثالثة: هل يمكن منح المدين مهلة إضافية لتنفيذ الموجب بحجة انتشار فيروس كورونا؟

الجواب: نعم.

ثلاثة نصوص تعطي للقاضي سلطة منح المدين مهلة إضافية لتنفيذ موجباته:

النص الأول: هو المادة 115 من قانون الموجبات والعقود على التي تنص على أنه يحق "للقاضي ان ينظر بعين الاعتبار الى حالة المديون اذا كان حسن النية فيمنحه مع الاحتياط الشديد مهلا معتدلة لايفاء الموجب ويأمر بتوقيف المداعاة مع ابقاء كل شيء على حاله ما لم يكن ثمة نص قانوني مخالف".

النص الثاني: هو الفقرة الثانية من المادة 300 من قانون الموجبات والعقود التي تنص على أنه "يحق للقاضي ان يمنح المديون الحسن النية مهلا للايفاء فيجعل ايفاء الدين اقساطا لمدة طويلة او قصيرة حسب مقتضى الحال".

النص الثالث : هو الفقرة الثالثة من المادة 241 من قانوق الموجبات والعقود التي تسمح للقاضي الناظر في دعوى إلغاء العقد "منح المديون مهلة تلو المهلة بحسب ما يراه من حسن نيته" حتى في حالة عدم التنفيذ.

وبالتالي، يحق للمدين المتعثر أن يطلب من القاضي منحه مهلة إضافية لتنفيذ الموجب شرط أن يكون حسن نية وأن يثبت أن هذا التعثر ناجم عن انتشار الوباء.

المسألة الرابعة: هل يستطيع الدائن حل العقد بحجة زوال المنفعة بعد انتشار فيروس كورونا؟

الجواب: لا.

ما لم يتفق الفرقاء على خلاف ذلك، إن زوال المنفعة بسبب ظروف لاحقة لتاريخ انشاء العقد لا يؤثر على صحته أو على استمراره وذلك للأسباب التالية:

أولاً، لا يحق للدائن التذرع بأن الوباء يشكل قوة قاهرة حرمته من استخراج منفعة مادية أو معنوية من تنفيذ العقد في الحالة التي لا يكون فيها تنفيذ موجبات المدين مستحيلاً بسبب هذا الوباء.

ثانياً، وإذا اعتبرنا أنه ينطبق على زوال المنفعة وصف زوال سبب العقد، يبقى أنه لا يحق للدائن أن يطلب حل العقد لأن سبب العقد هو الدافع الشخصي الذي حمله على انشاء العقد والذي لا يعد جزءاً غير منفصل عن العقد ولا يشكل عنصراً من عناصر تكوينه أو استمراره بل يبقى منفصلاً عنه ما لم يكن الفريقان قد ادخلا هذا الدافع كشرط من شروط التعاقد[8].

ثالثاً، وإذا اعتبرنا أنه ينطبق على زوال المنفعة وصف زوال سبب الموجب، يبقى أنه لا يحق للدائن أن يطلب حل العقد لأن سبب الموجب يجب أن يكون متوفراً في وقت انشاء العقد ولا يؤدي زواله في وقت تنفيذه إلى حل العقد ما لم يجعل الفرقاء من استمرارية هذا السبب شرطاً لاستمرارية العقد. وتجدر الإشارة إلى أن مسألة إسقاط العقدCaducité du contrat  بحجة زوال سبب الموجب المتتابع لا تجد جواباً واضحاً في قانون الموجبات والعقود اللبناني أو في الاجتهاد اللبناني.

 وبالتالي، لا يحق للدائن المطالبة بحل العقد بحجة زوال المنفعة بعد انتشار فيروس كورونا ما لم يتفق الفرقاء على خلاف ذلك في العقد[9].

الخاتمة: تتداول اللجان التشريعية حالياً دراسة اقتراح قانون تعليق المهل القانونية والقضائية والعقدية بسبب انتشار الوباء في لبنان. نقترح أن يصار، في الوقت نفسه، إلى لحظ حلول تتعلق بمصير العقود الجارية بحيث لا يكون اقتراح القانون المذكور محصوراً بموضوع المهل.

 


[1] راجع بهذا المعنى: قرار رقم 69/2012، تاريخ 23/4/2012، محكمة استئناف بيروت المدنية، الغرفة الحادية عشرة الناظرة في قضايا الايجارات: "وحيث انه وعلى ضوء عدم وجود تعريف قانوني للقوة القاهرة وبالاستناد الى ما هو مستقر عليه فقهاً واجتهاداً، يمكن تعريف القوة القاهرة بأنها الحدث المفاجئ الغير متوقع والذي لا يمكن مقاومته او حتى توقع حصوله والذي من شأنه ان يؤدي الى جعل تنفيذ موجبات المتعاقدين او احدهما مستحيلاً، وبالتالي لا يكفي ان يكون تنفيذ احد هذه الموجبات مرهقاً على صاحبه بل يجب ان يكون هنالك استحالة بالتنفيذ من الوجه الطبيعي او من الوجه القانوني عملاً بما نصت عليه المادة 341 م.وع.".

[2]راجع المادة 341 م.ع. التي تنص على أنه: " يسقط الموجب اذا كان, بعد نشأته, قد أصبح موضوعه مستحيلا من الوجه الطبيعي او الوجه القانوني بدون فعل أو خطاء من المديون".

[3] قرار رقم 5/2019، تاريخ 15/1/2019، تمييز مدني، غرفة تاسعة.

[4] راجع مثلاً: نموذج بند القوة القاهرة الذي اعتمدته غرفة التجارة الدولية (ICC) والذي يصف صراحةً "الوباء" بالقوة القاهرة –

 ICC Force Majeure Clause 2003, Article 3 (e)

[5] تجدر الإشارة إلى أنه يمكن استبعاد الوباءات من نطاق هذا التحديد إما صراحةً بموجب بند صريح وإما ضمنياً بموجب تعداد حصري للحالات التي وافق الفرقاء على وصفها بالقوة القاهرة دون إدراج الوباءات في نطاق هذا التعداد.

[6] راجع: قرار رقم 24/2014، تاريخ 20/3/2014، تمييز مدني، غرفة تاسعة.

[7]  قرار رقم 14/2011، تاريخ 15/3/2011، تمييز مدني، غرفة أولى ، قرار رقم 1231/2014، تاريخ 25/9/2014، محكمة استئناف بيروت المدنية، الغرفة الثالثة، قرار رقم 2/2012، تاريخ 10/1/2012، محكمة استئناف جبل لبنان، الغرفة الأولى، تمييز غ 4 رقم 69 تاريخ 14/6/1994 كساندر 94 عدد 6 ص38، تمييز غ 1 رقم 42 تاريخ 13/7/1995 كساندر 95 عدد 7 ص82.

[8] قرار رقم 35/2012، تاريخ 3/4/2012، تمييز مدني، غرفة ثامنة.

[9] يحق للدائن أن يطلب حل العقد بحجة زوال المنفعة بعد انتشار فيروس كورونا إذا توفر شرطان:

  • أن تكون المنفعة داخلة في الإشتراط.
  • أن يجعل الفرقاء من استمرارية هذه المنفعة شرطاً لاستمرارية العقد.

احدث المواضيع

{{subject.ShortTitle}}

البوابة القانونية الالكترونية الأشمل و الأكثر استخداما في لبنان