|

{{title}}

لم يتم العثور على المحتوى



أثر فايروس كورونا على الالتزامات التعاقدية

{{subject.Description}}

لا شك ان ما يشهده العالم اليوم من انتشار فيروس كورونا المستجد على الاقتصاد، كوباء فرض نفسه كواقعة مادية ذات آثار سلبية واضحة على العلاقات القانونية بوجه عام وعلى العلاقات التعاقدية على وجه الخصوص، حيث تختل هذه الروابط نتيجة العجز والركود الذي يصيب بعض قطاعات الاستثمار مما يجعل من المستحيل او على الاقل من الصعب تنفيذ الالتزامات بين المتعاقدين أو يؤخر تنفيذها، كما شكل تفشي هذا الوباء إشكالية قانونية دولية فى غاية الخطورة على الآثار القانونية ومدى امتدادها للعلاقة التعاقدية ليس فى الداخل فقط ولكن فى الخارج أيضاَ بشأن بعض المعاملات التجارية والالتزامات الضريبية والمالية، التي دفعت العديد من الشركات والمؤسسات العالمية اقرار حالة القوة القاهرة من أجل التنصل من التزاماتها التعاقدية تجاه زبائنها وعدم أداء غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو عن استحالته،

ولا شك في أن فكرة "العقد شريعة المتعاقدين" تنبني على ثلاث أسس: أولها قانوني قوامه مبدأ سلطان الإرادة، وثانيها أخلاقي يتمثل في احترام العهود والمواثيق، وثالثها ذو طابع اجتماعي واقتصادي يترجمه وجوب استقرار المعاملات، وان هذه الفكرة توجب احترام مضمون العقد سواء من طرف المتعاقدين أو من جانب القضاء، اي ليس لأحد أن يستقل بإلغاء أو تعديل العقد أو أن يتحلل من التزاماته العقدية بطريقة منفردة، أي الالتزامات التي تقررت بمقتضى العقد الذي أبرمه بإرادته الحرة، كما أنه ليس للقاضي التدخل في تعديل العقد أو الغائه من غير رضا المتعاقدين، وبالتالي إذا لحق بأحد المتعاقدين أمر ما أو تغيرت الظروف التي تم فيها إبرام العقد بحيث أصبحت تؤدي إلى اختلال في التوازن الاقتصادي بين الطرفين أو تجعل تنفيذه مرهِقاً أو مضرّاً بأحدهما، ينبغي تعديل العقد إلى الحد الذي يُرفع به الضرر، أو فسخ العقد حسب طبيعته والظروف التي تغيّرت ووفقاً لمصلحة المتعاقدين.

ومن هنا، تبنى الفكر القانوني والاجتهاد القضائي عبر العالم آليتان تعتبران من الوسائل الحمائية للمدينين الذين يصبحون مهددين بالإفلاس أو على الأقل أصبحت ذمتهم المالية مصابة بتصدع خطير، هاتان الآليتان هما نظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة التي ترميان إلى علاج الحالات التي يصير فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة) أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة) وهما في الأصل يعدان تطبيقا لمبدأ أخلاقي عام مفاده أنه لا تكليف بمستحيل أو لا تكليف بما يتجاوز الطاقة العادية للإنسان.

على أثر الظروف المستجدة التي يعيشها العالم بسبب فيروس كورونا المستجد، والتي قد ينشأ عنها وضع قانوني بالنسبة للعقود التي تضررت ضرراً مباشراً بفعل القوة القاهرة الناتجة عن هذا الفيروس، ومع وجود تحديات قانونية تفرض التساؤل عما إذا كان فيروس كورونا يمثل قوة قاهرة، ما يعني عقود قابلة للفسخ والتزامات قابلة للتحلل منه!!!

 ان البحث في الموضوع الراهن يتطلب التطرق الى شقين، الأول تعريف القوة القاهرة وشروط تحققها والثاني اثر فايروس كورونا كقوة قاهرة على الالتزامات التعاقدية.

الفرع الاول:  تعريف القوة القاهرة وشروط تحققها:

الفقرة الاولى: تعريف القوة القاهرة:

لم يحدّد المشترع اللبناني مواصفات القوة القاهرة، بل اكتفى بالاشارة اليها كسبب من اسباب استحالة تنفيذ الموجبات العقدية، بان الزم المدين باثباتها في المادة /342/ موجبات وعقود التي نصت هلى انه " يجب على المديون ان يقيم البرهان على وجود القوة القاهرة ويبقى مع ذلك للدائن متسع لكي يثبت ان الطارئ الذي وقع بمعزل عن المديون كان مسبوقا او مصحوبا بخطأ ارتكبه المديون كابطاء في التنفيذ جعله في حالة التآخر. وفي مثل هذا الموقف يظل الموجب قائما".

من هنا تولى الفقه والاجتهاد تحديد مواصفات القوة القاهرة، فاعتبرا انها " تتحقق فيما اذا حصلت نتيجة لعوامل غير متوقعة ولم يكن بالاستطاعة دفعها، ولم يتسبب المدين بها بل كانت خارجة عنه،
كما اعتبرها البعض، الحادث المفاجئ هو عارض او ظرف، لا شأن للانسان فيه، اذ انه يخرج عن ارادته وفعله، ولا يمكن توقعه imprévisible ولا دفعه irrésistible.

اما البعض الآخر اعتبر القوة القاهرة، الحدث الذي ليس بالامكان عادةً توقعه او ترقّبه ولا بالمستطاع دفعه او تلافيه، والذي يحصل من غير ان يكون للحارس يد فيه او للشيء دخل به، فيكون بمصدره خارجا عن هذا وذاك.

وقد ورد ايضاً تعريف خاص لحالة القوة القاهرة في عقود واتفاقيات خاصة كما يلي :
" القوة القاهرة هي ما يحدث قضاءً وقدراً أو أي تمرد أو عصيان أو شغب أو حرب أو إضراب وغير ذلك من اضطرابات عمالية أو حرائق أو فيضانات أو أي سبب آخر ليس ناتجاً عن خطأ أو إهمال من جانب المتعاقدين ".

اذاً، القوة القاهرة تعني " كل حدث خارجي غير منتظر لا يمكن التغلب عليه والتحرّر منه والذي يكون بالواقع هو سبب الحادث دون الشيء المنقول أو غير المنقول الذي تدخّل في الحادث ذاته يكون بالأحرى عرضياً، أو انه يكون مسخّراً لإيقاع الحادث، كما لو أنه أصبح آلة في يد القوة القاهرة،  او هي صورة من صور السبب الأجنبي الذي ينفي علاقة السببية بين فعل المدعى عليه وبين الضرر الذي لحق بالمدعي ، او كل حادث خارجي عن الشيء ، لا يمكن توقعه ، ولا يمكن دفعه مطلقاً .

الفقرة الثانية: طبيعة القوة القاهرة:

تصنف حوادث القوة القاهرة إلى نوعين:

النبذة الاولى: القوة القاهرة بحسب أصل الحادث: 

 تنشأ القوة القاهرة إما عن فعل الطبيعة، كالزلازل والصواعق والفيضانات والثلوج، أو عن فعل الإنسان. وفي الحالة الأخيرة لا فرق بين مصدر الفعل الذي يمكن أن يكون العنف الواقعي، كثورة شعبية أو سرقة مسلحة، أو أن يكون العنف القانوني؛ كأن تقوم الدولة بنزع ملكية عقار من مالكه عن طريق الاستملاك ، أو المصادرة، أو أمر السلطة. وتسمى القوة القاهرة في مثل هذه الحالات بـ ( فعل الأمير) .

النبذة الثانية: القوة القاهرة بحسب موضوع الالتزام: 

ينحصر عملياً تطبيق القوة القاهرة في مجال الالتزام بعمل، وفي مجال الالتزام بالامتناع عن عمل، والالتزام بإعطاء شيء معين بالذات. أما في الالتزام بإعطاء شيء معين بالنوع؛ فيندر تطبيق القوة القاهرة؛ وذلك لأن الأشياء المعينة بنوعها لا تهلك من حيث المبدأ، فالمدين بتسليم كمية من السكر لا تبرأ ذمته إذا هلك كل ما لديه من سكر؛ لأن باستطاعته تأمين الكمية التي التزم بتسليمها من السوق الداخلي أو الخارجي.

النبذة الثالثة: التمييز بين القوة القاهرة والحادث المفاجئ:

 يرى البعض بأنهما تعبيران مترادفان لمسمى واحد، ومن ثمّ لا مجال للتمييز بينهما، وإن كانت القوة القاهرة تدل على استحالة دفع الحادث، في حين أن الحادث المفاجئ يدل على عدم إمكانية التوقع.
ويذهب آخرون إلى التفرقة بين القوة القاهرة والحادث المفاجئ، وتقوم هذه التفرقة على صفة الحادث. فإذا كان الحادث خارجياً، ولا يمكن توقعه ولا دفعه؛ فهو قوة قاهرة، ومثال ذلك زلزال أدّى إلى انهيار مصنع من المصانع. أما إذا كان داخلياً بالنسبة للشيء، ويستحيل دفعه، كانفجار آلة في المصنع؛ فهو حادث مفاجئ.

وتبدو أهمية التمييز بين القوة القاهرة والحادث المفاجئ في حالة المسؤولية القائمة على أساس الضرر، ففي مثل هذه الحالة تعفي القوة القاهرة وحدها من المسؤولية. أما الحادث المفاجئ فلا ينفي علاقة السببية بين الفعل والضرر، ومن ثم لا يعفي من المسؤولية.

الفقرة الثالثة: شروط القوة القاهرة:

انطلاقاً من التعريف السابق للقوة القاهرة نجد أن للقوة القاهرة ثلاثة شروط لا بد من توفرها لسقوط المسؤولية، أولها ان يكون الحدث غير ممكن بالوجه العادي توقعه او ترقبه، وثانيها ان يكون مستحيلا دفعه او التغلّب عليه وثالثها ان يكون بذاته اجنبيا خارجا عن الشيء وحارسه.

وهذه الشروط مفروضة معاً لتحقق القوة القاهرة بها مجتمعة، فان تخلف شرط منها، فان القوة القاهرة تكون غير محققة.

النبذة الاولى: عدم إمكانية توقع الحادث:

 ان معيار عدم التوقع معيار موضوعي يتطلب أن يكون عدم التوقع مطلقاً. فلا يكفي فيه أن يكون غير ممكن التوقع من جانب المدين، وإنما أيضاً يجب أن يكون غير ممكن التوقع من جانب أكثر الناس حيطة وحذراً.

ويترتب على ذلك أنه إذا كان الحادث متوقعاً، فإنه لا يعفي من المسؤولية، ومثال ذلك سقوط الثلوج في فصل الشتاء في مدينة موسكو هو أمر متوقع ومن ثمّ لا يعد قوة قاهرة.

ويختلف الوقت الذي يجب أن يتوافر فيه عدم إمكانية التوقع تبعاً لنوع المسؤولية، ففي المسؤولية العقدية يجب أن يكون الحادث غير ممكن التوقع لحظة انعقاد العقد. أما في المسؤولية التقصيرية فيجب توافر عدم إمكان التوقع لحظة وقوع الحادث.

النبذة الثانية: استحالة دفع الحادث: 

لا يكفي لقيام القوة القاهرة عدم إمكانية توقع الحادث، بل يجب إضافة لذلك أن يستحيل دفعه. ومعنى ذلك أن الحادث يجب أن يؤدي إلى استحالة تنفيذ الالتزام استحالة مطلقة ، فإذا استطاع المدين دفع الحادث ولم يفعل، فلا يعفي هذا الحادث المدين من المسؤولية حتى لو كان غير ممكن التوقع. ولا فرق هنا بين أن تكون استحالة تنفيذ الالتزام مادية، كالزلزال، أو أن تكون الاستحالة معنوية، كما لو التزم شخص بالقيام بعمل معين في يوم محدد، وأخل بذلك نتيجة وفاة والده، ومن ثمّ تعفي من المسؤولية إذا كانت غير ممكنة التوقع أيضاً. وهذا الشرط هو تطبيق للقاعدة القائلة: " لا التزام بمُحال". أما إذا ترتب على وقوع الحادث أن تنفيذ الالتزام التعاقدي أصبح مرهقاً للمدين وليس محالاً، فلا يعدّ الحادث من قبيل القوة القاهرة، وإنما تطبق عليه أحكام نظرية الظروف الطارئة شريطة توافر بقية شروطها.


النبذة الثالثة: أن يكون الحادث خارجياً: 

أي إلا يكون هناك خطأ من المدعى عليه ، فإذا تسبب المدعى عليه بوقوع الحادث أو ساعد على وقوعه، فلا يعدّ الحادث قوة قاهرة حتى لو توافر فيه الشرطان السابقان؛ ومن ثمّ لا يعفي من المسؤولية. وكذلك إذا كان الحادث داخلياً بالنسبة للشيء. 

الفرع الثاني: اثر فايروس كورونا كقوة قاهرة على الالتزامات التعاقدية:

لا شك ان التعبئة العامة التي قررتها الحكومة اللبنانية وطبيعة التدابير الاحترازية المتخذة لمنع تفشي وباء كورونا المستجد بدءاً بتوقف الدراسة ومنع وحظر التجمعات العمومية والغاء التظاهرات واللقاءات الرياضية والثقافية والدينية والعروضات الفنية واغلاق المجال الجوي وتخفيض مستوى الخدمات في المرافق العامة وتماشياً مع تم سرده، فإنه من الواضح أن فيروس كورونا المستجد يصح وصفه بالقوة القاهرة، لكونه حادثاً عاماً شمل كافة دول العالم ولا يمكن توقعه أو درء نتائجه؛ لذلك من الممكن بشكل كبير قانوناً بالنسبة لبعض الأفراد والأنشطة التجارية والخدمية التي تضررت تضرراً مباشراً، أن تتمسك بتوافر معيار القوة القاهرة كمبرر وسند لفسخ العقود من تلقاء نفسها، فالقوة القاهرة لم تعد محصورة على واقعة بعينها فكل واقعة تتحقق فيها الشروط السابقة وجعلت من التنفيذ أمراً مستحيلاً تعد قوة قاهرة.

واستقرت احكام محكمة التمييز على أن القوة القاهرة التي تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً استحالة مطلقة بالنسبة للكافة وليست للبعض دون البعض الآخر أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة فإن الالتزام لا ينقضي معها بل تأثيرها يسري على وقف الالتزام فقط ويصبح الإلتزام قابلا للتنفيذ بزوال هذا الطارئ. كل ذلك متوقفاً على اثبات وجود القوة القاهرة المترتبة على وجود هذا الفيروس. ففي دعوى المسئولية إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا بد له فيه كقوة قاهرة ناتجة عن وجود فيروس كورونا كان غير ملزم بالتعويض وذلك لأنه أفلح في قطع رابطة السببية بين الخطأ والضرر مالم يوجد نص قانوني يقضي بخلاف ذلك.

أما القطاعات أو الأعمال الأخرى التي لم تؤثر فيها القوة القاهرة بشكل مباشر لكن أعمالها ونشاطاتها تأثرت بسبب تغير الظروف والتكلفة والوقت، فيمكن تعديل شروط العقد أو تغييرها لموازاتها بين الطرفين، لما فيه مصلحتهما.

أما بالنسبة للنشاطات الأخرى التي لم تتأثر بالقوة القاهرة ولا بتغير الظروف واستمرت أعمالها ونشاطها وفق المعتاد، فلا يمكن أن تتمسك بأي من القوة القاهرة والظروف الطارئة حالياً، ولكن في حال استمر الوضع الناتج عن فيروس كورونا المستجد إلى فترة أطول، فقد يختلف الحال بالطبع مع تغير الظروف الاقتصادية والتجارية والتشريعات التي تتصل بهذا المجال لحماية الأفراد والمجتمع، والتي قد تؤثر بطريقة غير مباشرة سلباً في بعض الأنشطة الاقتصادية أو العقود في ما بين الطرفين.

وتتحقق آثار القوة القاهرة بسبب توفر معيارين أساسيين في حالة عدم تنفيذ الالتزامات العقدية . وهذه القاعدة تنطبق سواء كان العقد محليا أم ذات طابع دولي  .

المعيار الأول: أنه في حالة تخلف أي طرف من الأطراف تنفيذ التزاماته العقدية، فإن إخفاق المدين بسبب الحادث الجبري ينشأ عنه بالضرورة آثارا سلبية مباشرة على مصير العقد . وإذا كان مبدأ القانون المحلي أو الدولي يقضي بفسخ العقد وانحلال الرابطة بين المتعاقدين عند استحالة التنفيذ المطلق ، فإنه ليس هنالك ما يمنع تعليق تنفيذ العقد لمدة معقولة يقبل بها الطرفين  إذا تبين احتمال زوال ظروف القوة القاهرة وإمكانية استئناف تنفيذ العقد ضمن شروطه الطبيعية من جديد . وهذا الحل يتطابق مع مصلحة طرفي العقد الدولي حيث المهم لهم ليس فقط في تكوين العقد ، وإنما في تمام تنفيذه وتحقيق الغرض الذي يرميان إليه من إبرامه .

المعيار الثاني : تطبيقا للقاعدة العامة في الالتزامات العقدية ، هو إن عدم تنفيذ الالتزام يرتب على المدين المسئولية العقدية ودفع التعويض عن الأضرار الناجمة عن فسخ العقد لعدم الوفاء بالتزامه . إلا أن حالة القوة القاهرة تعطل العمل بهذه القاعدة استنادا إلى القواعد القانونية التي تحكم الآثار المعفية لمسئولية المدين عند عدم وفائه بالتزاماته العقدية لأسباب خارجة عن إرادته ولا يد له فيها . ولقد حاول العرف التجاري الدولي تأكيد العمل بهذا المبدأ من خلال النص عليه صراحة في الشروط الاتفاقية بين المتعاقدين،  تلك هي الآثار المباشرة لحالة القوة القاهرة .

النبذة الاولى: أثر فايروس كورونا في مجال العقود الادارية:

لا شك ان معظم العقود الادارية تتضمن شرط الغرامة التأخيرية لتنفيذ الاعمال وهي صورة من صور التعويض الاتفاقي وفي حال حدوث تأخير التنفيذ أو تسليم الاعمال فإن الادارة تقوم بخصم قيمة الغرامة التأخيرية مما يكون مستحقاً في ذمتها للمتعاقد دون أن يتوقف ذلك على حدوث ضرر للإدارة ولا يستطيع المتعاقد مع الادارة أن ينازع في استحقاق الغرامة بحجة انتفاء الضرر أو المبالغة في تقدير الغرامة إلا إذا أثبت أن الأمر راجع إلى قوة قاهرة.

لذلك ليس على المتعاقد مع الادارة مسئولية التعويض إذا كان الإخلال بالإلتزام ناتج عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات والدول تجاه الحد من انتشار فيروس كورونا ولا يستطيع بدوره الوفاء بهذه الالتزامات نتيجة لهذه الاجراءات ويكون سبباً معفياً من المسئولية.

واتخذت فرنسا قرارات استباقية بعدم تطبيق غرامات التأخير على الشركات المرتبطة بعقود مقاولات مع الدولة للشركات التي تثبت تضررها من آثار فيروس كورونا بهدف حماية الاستقرار الاقتصادي.

مع العلم بان القوة القاهرة على الرغم من اعتبارها سبب للإعفاء من المسئولية إلا أنها ليست من النظام العام فيجب أن يتمسك بها المدعى عليه على سبيل الجزم واليقين على نحو يقرع سمع المحكمة فالمحكمة لا تملك تقرير قيامها من تلقاء نفسها.

النبذة الثانية: أثر فايروس كورونا في مجال العقود الدولية:

تعتبر العقود الدولية هي الاداة القانونية اللأكثر استعمالاً في مجال المعاملات المالية الدولية وادارة لتيسير التجارة الدولية العابرة للحدود وهذه العقود لا تختلف عن عقود التجارة الداخلية من حيث خضوعها لأحكام القوة القاهرة.

وطبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة والاجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقا لتنفيذ العقود وتقدير مدى اعتبار هذه الاجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الاجراءات التي اتخذتها الدولة وطبيعة الوباء وموضوع الالتزام ومدى تأثره بهذه الاجراءات فان توافرت شروط القوة القاهرة يعفى المدين من التزامه اما اذا لم تتوافر شروطها فان المسؤولية تكون قائمة قبل المدين فالأمر نسبي يرجع تقديره الى محكمة الموضوع وقدرة المدين على اثبات توافر شروط القوة القاهر .
نصت اتفاقية الجات الدولية 1994 في المادة 7 على الأثر المعفى من المسؤولية ومنها وقوع كوارث طبيعية او توقف النقل او قوة قاهرة أخرى تؤثر بصورة كبيرة على المنتجات المتاحة للتصدير …
وعالجت مباديء العهد الدولي لتوحيد قواعد القانون الدولي الخاص حال وقوع القوة القاهرة في المادة 6 غلى أنه يحق للطرف المتضرر أن يطلب التفاوض من الطرف الآخر على تعديل بنود العقد فإن قبلها الأخير يستمر في التنفيذ العقد الدولي أما اذا فشلت عملية التفاوض فلا سبيل سوى فسخ العقد مع احتفاظ الطرف المتضرر بحقه في المطالبة بالتعويض وهذا ما أكدت عليه اتفاقيات دولية عديدة ومنها اتفاقية فيينا 1980 حيث قضت المادة 81 على أنه  بفسخ القعد يصبح الطرفان في حل من الإلتزامات التي يرتبها العقد مع عدم الاخلال بأي تعوض مستحق .

ونصت المادة 79/1 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن العقود الدولية على حماية مماثلة توفرها أحكام القوة القاهرة وقد تنطبق على العقود الدولية إلا إذا تم استبعاد تطبيق الاتفاقية صراحة من قبل الاطراف في العقد.

وعمليا شرط عدم توقع الحدث هو أحد أهم شروط القوة القاهرة والعبرة في تحديد توقع الحدث من عدمة هو النظر الى تاريخ ابرام العقد واستقر القضاء الفرنسي على ان شرط عدم التوقع الذي يبرر فسخ العقد يجب ان يكون قد ورد في الاتفاق قبل ظهور الوباء. 

والسؤال هنا ما هو التاريخ الواجب اتباعه في اعلان ظهور فيروس كورونا هل من تاريخ إعلانه بالصين أم تاريخ الاعلان بالبلد الذي توجد فيه الشركة التي تتمسك بالقوة القاهرة أم تاريخ اعلانه كوباء من منظمة الصحة العالمية؟

محكمة باريس سنة 1998 أصدرت حكم أكدت فيه على أن توقف الطائرة ببلد مجاور لمنطقة انتشر فيها وباء الطاعون لا يشكل خطر يفسر على انه قوة قاهرة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لأطراف العقود ماذا تفعل إذا تعرض أياً من عقودك أو مشاريعك لآثار سلبية ناجمة عن فيروس كورونا المستجد:

أولا: مراجعة جميع العقود في السلسلة التعاقدية للتأكد مما اذا كان تفشي الوباء يشكل قوة قاهرة في العقد إلا أن هذه الخطوة ليست بالضرورة شرطاً يشكل القوة القاهرة لانها تفشي الوباء قد يقع ضمن التعريف العام للقوة القاهرة كما ان القرارات والتشريعات الحكومية واللوائح والأوامر العامة مثل حظر السفر واغلاق الساحات والموانئ والمصانع والأضرار الناتجة عنها يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار.

ثانياً: الإخطار عن الحدث أو القوة القاهرة التي منعت من تنفيذ الالتزام والإخطار هنا يشمل تمديد الجدول الزمني لتنفيذ العقد أو أي مطالبة أخرى يتفق عليها الأطراف.

ثالثاً: التأكد من أن الحدث القوة القاهرة لفيروس كورونا لم يكن متوقعاً وقت التعاقد بشرط إثبات السببية بين ما احدثه فيروس كورونا من اجراءات ادت إلى التأخير في تنفيذ الالتزام.

وهذا ما اكدت عليه بعض الدول حيث قررت الصين منح شهادات القوة القاهرة للشركات الدولية التي تكافح من اجل التأقلم مع تاثيرات عدوى فيروس كورونا باعتباره مستند موثق لإثبات التأخير.

وبالنتيجة يمكننا أن نستخلص أن انتشار وباء كواقعة مادية قد تكون دليلاً على القوة القاهرة كلما كان لها تأثير مباشر على عدم تنفيذ الالتزام التعاقدي من طرف المدين إذا ما توافر لها الشروط التي ذكرناها أعلاه، فالقوة القاهرة لم تعد محصورة على وقائع محددة دون غيرها فكل واقعة تحققت بشأنها الشروط وجعلت التنفيذ مستحيلاً فيجب أن تعد من حالات القوة القاهرة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ان المسؤولية العقدية قد ترتفع عن صاحبها إذا ما تمسك بأحد الأسباب الأجنبية عنه والتي تمثل في جوهرها جميع الظروف والوقائع المادية والقانونية التي يمكن للمدعى عليه في دعوى المسؤولية المدنية أن يستند إليها لكي يثبت أن الضرر لا ينسب إليه ولا دخل له فيه وإنما هو نتيجة حتمية لذلك السبب، وتمثل القوة القاهرة أهم صور هذا السبب الأجنبي، وأن علاقة السببية تقتضي إثبات السبب الاجنبي حتى يمكن القول بانعدام علاقة السببية بين الفعل والنتيجة، ويقع عبء إثبات القوة القاهرة على المدين أو المدعى عليه في دعوى المسؤولية العقدية، وبخصوص حالة الطوارئ السارية في هذه الأيام فإنها تعتبر سبباً كافياَ لانعدام علاقة السببية بين الفعل والنتيجة.

أي أنه اذا طرأت عند تنفيذ الالتزام ظروف لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وكان من شأنها أن تؤثر على حقوق الطرفين وواجباتهما بحيث تخل بتوازن العقد اخلالاً خطيراً وتجعل التنفيذ مرهقاً لدرجة لم يتوقعها بحال من الأحوال بحيث تهدد الملتزم بالخسارة الفادحة جاز للمحكمة ان ترد الالتزام المرهق الى الحد المعقول اذا اقتضت العدالة، وأن أثر القوة القاهرة لا يعفي من تنفيذ الالتزام مطلقاً بل وقف تنفيذه حتى يزول السبب الأجنبي، فيبقى الالتزام موقوفاً على أن يعود واجب التنفيذ بعد زوال السبب، وأيضاً يجوز لطرفي العلاقة التعاقدية أن يعدلا باتفاقهما من أثر القوة القاهرة .

وفي مطلق الاحوال، يعود للقاضي تقدير مواصفات الحدث المفاجئ ووصفه بالقوة القاهرة بالنظر للظروف التي وقع فيها، وتقديره موضوعي، ولكن لا يغيب عنه وضع الحارس الشخصي والظرف الذي وجد فيه، إذ يقارن وضعه بوضع الرجل العادي بعد ان يتصوّره في ذات الظروف التي وجد فيها.

المـــــــــراجع:
(1)    جورج سيوفي، النظرية العامة للموجبات والعقود، ج1، 1994 .
(2)    خليل جريج، النظرية العامة للموجبات، ج1، 1998، المنشورات الحقوقية صادر. 
(3)    عاطف النقيب، النظرية العامة للمسؤولية الناشئة عن فعل الاشياء، المنشورات الحقوقية صادر 1999.
(4)    مصطفى العوجي، القانون المدني، المسؤولية المدنية، ج 2، 1996.
(5)    مركز الابحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية، الجامعة اللبنانية.
(6)    مركز الخليج للدراسات، الخليج الاقتصادي.  

المواقع الالكترونية:

- www.alarabiya.net › politics › 


www.legallaw.ul.edu.lb - 

(تحميل النسخة الكاملة)

احدث المواضيع

{{subject.ShortTitle}}

البوابة القانونية الالكترونية الأشمل و الأكثر استخداما في لبنان